السينما كفن متعدد الجذور
السينما كفن متعدد الجذور
السينما ولدت كفن مكمل لما سبقها من الفنون، فتعلمت وتشكلت واقتبست الأدب الروائي والمسرحي، وتعلمت منهما تطوير السيناريوهات الأصلية والمقتبسة.
استعملت الموسيقى كما هي، ثم كيفتها وخلقت منها الموسيقى التصويرية، استعملت الرسم والبصريات لخلق الميزانسين، ومن هنا صار الروائي سيناريست والمؤلف الموسيقي مؤلف موسيقى سينمائية والمصور مصور سينمائية ومنها خرجت فروع فنية جديدة تعمل كفريق تحت إدارة المخرج وأنتجت لنا فنانين عظماء.
مرونة وتنوع السينما
حين نتابع الأفلام نرَ بعضها يطيل المشاهد ويبطئ الإيقاع ويقلل الحوارات ويكثف الشعور فنشعر انه أقرب لقصيدة، والبعض الآخر يزيد الشخصيات ويركز على السرد فنشعر انه أقرب لرواية، والبعض الآخر يضع الموسيقى كركيزة ويبني عليها ليصبح الفيلم كمقطوعة موسيقية، والبعض مثل فيديريكو فليني يحاول احتواء الفيلم في لقطة ليعطي شعور اللوحة. وهذه الميزة هي حصر على السينما فهي الأكثر مرونة، ولو أنها لا تملك كل خصائص الفنون الأخرى لكنها تملك الكثير منها.
المخرجون وتجاربهم الفنية السابقة
هذا التنوع جاء بسبب اختلاط الفنانين بمهنة الإخراج، فالكثير من المخرجين أحترفوا فنون أخرى قبل الإخراج مثل تاركوفسكي القادم من بيئة شعرية وجان كوكتو أحد أهم شعراء فرنسا وبول أوستر أحد أهم الروائيين، ومارغريت دوراس الروائية، وسيلفادور دالي الرسام السريالي العظيم الذي كتب سيناريو مع المخرج السريالي لويس بونويل، وديفيد لينش الذي درس الرسم، حتى أن عدد من الفنانين الغير سينمائيين جربوا الإخراج مثل الروائي الشهير ستيفن كينغ، والشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد.
الشعر في السينما الشرقية
عن الفنون التي تغذي السينما نستذكر حديث محسن مخملباف عن البصريات عند الغرب والاستغناء عنها بالشعر في الشرق:
«السينما في الغرب تقوم على قواعد مستمدة من التصوير الفوتوغرافي والرسم، ولذلك يفهم الجمهور هناك لغة السينما من خلال فهمه للغة التصوير والرسم. أما السينما الإيرانية فلا جذور لها في التصوير أو الرسم… نحن لا نملك هذا النوع من التراث في ثقافتنا، لكن لدينا الكثير من الشعر، ولذلك فإن السينما الإيرانية تستمد جذورها من قصص الشعر وصوره.»
«في الغرب بدأ تطور السينما من الرسم، ثم من التصوير الفوتوغرافي… أما في الشرق فتراث الصورة لدينا ليس بقدم تراث الشعر… إن تقليدنا في الحكاية تقليد شعري للغاية.»
السينما كفن متطور ومتأثر
من هنا نفهم السينما كشكل فني متأثر بأشكال فنية عديدة، وكنتيجة تطور مستمر وغوص دائم في ثقافات وتجارب.
ساهمت العولمة في تسريع هذا التطور لتوصلنا إلى السينما التي نعرفها اليوم كقصة تطور وتشكل، تعددت وتلونت فصولها.
هذا التطور الغني والكثيف سبق بعقود الموجة الفرنسية الجديدة، التي وافقت الستينات زمنًا ومضمونًا من ناحية حركات التمرد والتحرر، بداية بـ(الضربات الربعمائة) حتى نهاية الموجة، مغيرة معها السينما.
وسبق الواقعية الجديدة الإيطالية، التي وافقت ما بعد الحرب زمنًا ومضمونًا بمواضيعها وشخصياتها الكادحة وميزانيتها القليلة، وكاميراتها المحمولة، وتصويرها في الأماكن العامة بممثلين غير محترفين.
أخص بالذكر فيلم (روما، مدينة مفتوحة) الذي صور بعد سقوط روما بسنة وفتح باب الواقعية كموجة غيرت شكل السينما.
وقبل موجة (النوار)، وقبل تحفة أورسن ويلز (المواطن كين)، والتي يدعى بأنه أكثر فيلم أثر وغير وطور السينما.
أتكلم عن زمن الموجة التعبيرية الألمانية، التي تأثرت بتعبيرية الرسم بالمسرح وبالأدب النفسي، وبشخصيات مثل إدفارد مونش وفرانس كافكا، وتأثرت بالحركات، وليس فقط الحالة العامة للألمان بعد الحرب.
الانطباعية الفرنسية، وتأثر أفلام الموجة الفرنسية الأولى مثل أفلام أبيل أغنيس بانطباعية كلود مونيه وستيفان مالارميه.
وصولًا للسريالية التي سطرت اسمها في بدايات البدايات مع فيلم كلب أندلسي 1929 إخراج لويس بونويل كتابة سيلفادور دالي/ لويس بونويل.
تكثر الأمثلة وتطول، حتى نجد تأثير الحركات الاقتصادية والسياسية، مثل تأثر أفلام فريتز لانغ بالأفكار الاشتراكية والنفحات النازية.
الطباع الشعبية وتأثيرها على السينما
السينما لم تتأثر فقط بالفنون والحركات الفنية والفلسفة والحركات الاقتصادية والسياسية في بداية نشأتها، بل زاد الأمر إلى أن لمس أوتار الطباع الشعبية الإنسانية.
فنجد ياسوجيرو أوزو حينما ينتقد، ينتقد بلطف وحياء ياباني وتوريه، وهذا ظاهر في زواياه، وإخراجه، وشخصياته، على عكس الصراحة والبساطة الإسكندنافية الإيطالية الأوروبية.
السينما والعولمة والتجارة
السينما فرضت نفسها كفن يجاري العولمة والتجارية فهي فن غير مقيد بوقت وثقل الرواية ولا بحاجة الشعر للغة وتبعيته لها، فرضت نفسها كنشاط جماعي ممتع وكقوة تجارية تجذب التجار وتدر عليهم الأموال وتبقيهم حريصين على توفير الدعم للكتاب والمخرجين، فأصبح هذا الفن يأخذ العالم ويضعه في صالات السينما المغلقة ويتيح للفرد الاطلاع على ثقافات وقصص شعبية كانت تحكيها الجدات، قصص محتكره لثقافات معينه.
الفن كتعبير عن الذات
السينما، كباقي الفنون، يتسرب فيها ما لم تتوقعه.
حتى لو حرص المخرج على عدم إبراز ما يتعدى حدود موضوعه، فإنه لا محالة سيسرب جزءًا من نفسه، عاطفته، ثقافته، روحه، اعتقاداته، مخاوفه.
الفن هو التعري بحيث تكشف نفسك بدون حياء.
-باسل التميمي






تعليقات
إرسال تعليق