باليرينا: البجعة التي رقصت لتنجو
باليرينا: البجعة التي رقصت لتنجو
قبل حديثي عن الفيلم بذاته، أرغب بالعودة ثلاث سنوات وثمانية أشهر للخلف من صدور “باليرينا” أو “راقصة الباليه”، أي نهاية أكتوبر من سنة 2021. وقتها صدرَت رائعة كاري فوكوناجا No Time to Die، الفيلم الأخير من سلسلة جيمس بوند ببطولة دانيال كريغ.
وقتها شاهدنا أداءً جيدًا لآنا دي أرماس بشخصية بالوما، عميلة الاستخبارات الأمريكية. أداءٌ ملفت ترك انطباعًا جيدًا. هنا كانت بداية وبوابة دي أرماس لأعمال الأكشن.
بعدها شاهدناها في فيلم الأكشن The Gray Man للأخوين روسو، تلعب دورًا جانبيًا كعميلة للاستخبارات الأمريكية أيضًا، وهنا ارتفع سقف الطموح وصرنا نرغب بمشاهدة فيلم خاص بها. مع أن المطالبات بدأت بعد No Time to Die مباشرة، لكن بعد The Gray Man أثبتت آنا أنها الخيار المناسب من جميع النواحي.
⸻
ما بين آنا وإيف
في نفس الوقت الذي تم اختيار آنا لتمثيل شخصية إيف ماكارو، تم تعديل إيف لتناسب آنا، بحيث اختيرت ممثلة مناسبة للشخصية، وتم تعديل الشخصية لتناسب الممثلة أكثر.
آنا التي تتقن الشخصية البريئة في Knives Out، والقاتلة المحترفة في The Gray Man، قدّمت تحولًا من الشخصية البريئة واللطيفة والمرحة إلى شخصية القاتلة المحترفة في دقائقها المعدودة في No Time to Die. هي تتقن هذا التنقل بدون تكلّف يدمر الشخصية.
باليرينا هو تمهيد لإيف، وإيف في العمل هي مزيج بين الماضي المؤلم، والجرح العميق، والضعف النفسي، ومع هذا صلابة وعزيمة قاتلة ناتجة عن حقد ورغبة بالثأر والانتقام. وهذا بالضبط ما قالته مديرة جماعة الروسكا روما في بداية الفيلم.
⸻
الخلق والدمج
دائمًا ما أعتبر خلق شخصيات من العدم، وإنشاء أفلام من أفلام أخرى وسلاسل من سلاسل أمرًا مثيرًا للاهتمام وجديرًا بالتمعّن. فهو قرار صعب، وأحيانًا يكون مستحيلًا حسب العمل نفسه. فكيف تنتهي من عمل بشكل كامل، ثم تخلق عملًا آخر منسجمًا مع سابقه، وقائمًا بذاته، يملك حسّ العالم وشخصياته، دون أن يقترب من العمل الأصلي لدرجة التبعية، ولا يبتعد لدرجة الانفصال، وفوق ذلك أن يكون منسجمًا في كل تفاصيله، لا يتعارض، بل يستكمل الخطوط ويصنع خطوطه الخاصة؟
وهذا ما حدث في باليرينا.
تركيب سردي معقّد: ثلاثة مكونات
ثلاث عناصر ساهمت في تشكيل السيناريو
1. آنا دي أرماس نفسها: بملامحها البريئة المتقلبة، وقدرتها على التحول دون افتعال، الأدوار وقدراتها التمثيلية.
2. السيناريو الأصلي (المكتوب منذ 2017): والذي أعيد تطويره لاحقًا بعد استحواذ Thunder Road عليه.
3. عالم جون ويك: الذي يتطلب حضورًا بصريًا قاسيًا، وتقاليد قتالية صارمة، وشخصيات ذات طبقات غامضة
وهذه العوامل دُمجت بشكل متقن لتلائم مقاس آنا، دون أن تفقد شكلها الأصلي، كل هذا تحت إشراف تشاد ستاهلسكي بنفسه، ومخرج الفيلم لين وايزمان.
⸻
من الدفء الى الألم: كيف بنيت أيف من الداخل
تصريحات وتقارير أكدت أن السيناريو الأصلي يعرض الشخصية الرئيسية على أنها ميكانيكية أكثر، بدون أبعاد نفسية. وهذا ما تغيّر، لاستغلال نقاط قوة آنا، فالعاطفة والدفء تحولت إلى ألم داخلي.
وهذا يعني انسجامًا مع عالم جون ويك القاتم، فلو تُركت المساحة لدفء وعاطفة مشعّة، لدُمِر النسق البصري والدرامي الكامل.
استخدم المخرج كاميرات بعيدة، كما كان مع جون ويك، لنبقى بعيدين ونشعر بهذا البعد العاطفي عن البطلة. وهذا اختيار مناسب، لأن آنا لا تحتاج كاميرات قريبة لتُظهر عواطفها وتشرحها.
نستذكر أنها فعلت أكثر من هذا في فيلم Blonde. وهذا ما صنع طابعًا خاصًا مميزًا عن أفلام جون ويك: لم تُلغَ طبيعة آنا، بل غُيّرت ووُجّهت نحو شكل آخر، ولم يبقَ من دفئها إلا حمايتها للطفلة إيلا باين.
الطفلة التي لم تكن موجودة في السيناريو الأصلي، وتمت إضافتها ربما استلهامًا من فيلم The Gray Man، بسبب قدرة آنا بشخصية داني ميراندا على صنع بعد عاطفي مع الطفلة كلير فيتزروي.
لكن هنا الرمزية أفضل، لأن الطفلة إيلا تمثل الحلقة، دورة من القتل والانتقام يجب أن تتوقف. تشاهد فيها إيف نفسها، وانتزاع براءتها. عالقين مع وجه آنا دي أرماس البريء، ليُذكّرنا بالبراءة المسلوبة، والألم، والعالم القاسي الذي يختارك، فلا تستطيع الخروج منه أبدًا.
⸻
بحيرة البجع
بحيرة البجع هي الباليه الأشهر على الإطلاق عالميًا، لمؤلفها الروسي بيوتر إليتش تشايكوفسكي. تحكي قصة أوديت، وهي أميرة أُصيبت بلعنة حوّلتها إلى بجعة، لا تعود لشكلها البشري إلا في الليل.
تقع أوديت (البجعة البيضاء) في حب أمير، لكن البجعة السوداء أوديل تغويه ليخون أوديت، فتنتهي الباليه بشكل مأساوي.
إيف هنا هي البجعة البيضاء، تحمل البراءة والحب، لكنها لُعنت بحياة لا تشبهها (القتل – الدم – الانتقام). وهي في آنٍ واحد، كالبجعة السوداء، ملوّثة برقصة الانتقام.
وهذا واضح في مشهد الأنتقال من الطفولة للشباب من الطفلة للقاتلة
فكرة “الوجهان في الروح الواحدة” تعزّزت وانتشرت عند الناس بسبب نظريات كل من فرويد (الذات الأخلاقية – الذات المكبوتة)، ويونغ (الأنا – الظل)، وأرونوفسكي وفيلمه الشهير Black Swan (صراع الهوس).
الفيلم يستعرض في أول ثلث ساعة طفولة إيف، ثم ينتقل لمشهد لإيف الشابة ترقص على المسرح بكل جمال، بانتقال قاسٍ. لأن هذه الجميلة، قتيلة من الداخل، يطاردها ماضيها ومأساتها.
فلو أن الفيلم بدأ بهذا المشهد، بدون عرض الماضي، لابتسمنا ونحن نشاهده. لكن الانتقال بهذه الطريقة جعل المشهد حزينًا. وما زاد ألمه هو توتر الموسيقى، حيث ترقص إيف على مقطوعة رقصة البجعات الصغيرات، وهي مقطوعة جميلة، تمثل ما تمثله إيف من براءةٍ وحبٍ ورغدٍ، لو لم تحصل على طفولة قاسية.
ونشعر باختلالات مزعجة في الموسيقى، تعبّر عن التشوّه الذي طرأ في حياة إيف. تضغط على نفسها، ثم تسقط وتتألم. فلا يوجد خلف جمال الباليه إلا الألم، كما في فيلم Black Swan. كل العالم يرى الجمال والشباب فيها، ولا يرون الروح المعذبة.
“ولا تحسبوا رقصي بينكم طربًا، فالطيرُ يرقصُ مذبوحًا من الألمِ.”
⸻
عدّةُ ثوانٍ وإسقاطٌ مهمّ
في أحد المشاهد من أول ثلث ساعة بالفيلم، بعد وفاة والد إيف وقبل تبنيها، تظهر لافتة كبيرة مكتوب عليها:
TARKOVSKY SERIES – ANDREI RUBLEV: TRINITY
بعدها تظهر إيف الصغيرة في مكتب وينستون سكوت، مدير فنادق الكونتيننتال في نيويورك. إيف جالسة تشاهد شاشة، وضوء الشاشة الأبيض ينعكس على وجهها، وهذا تلميح قوي على أنها تشاهد فيلم Andrei Rublev الذي يحكي قصة رسام روسي شهير بنفس الاسم.
إيف تشاهد الفيلم، أو بطريقة رمزية تجد نفسها فيه. وهذه النقطة لم تمر مرور الكرام، حتى على المترجمين الرسميين للفيلم. ففي صالة السينما أثناء متابعتي، وجدت اسم اللافتة يُترجم، مع أن المترجمين عادةً لا يترجمون اللوحات العابرة كالمحلات والأسواق، بل يركّزون على الكتابات المهمة.
لنتأكد أن هذا ليس مجرد صدفة أو تحية عابرة، نبحث عن القرائن:
أهمها أن فيلم أندريه روبليف فيلم روسي عن شخصية روسية، مثل بطلتنا إيف. وبعد البحث، عرفت أن المخرج لين وايزمان يحب وضع إشارات ثقافية بهذه الطريقة، وهذا أمر شائع في عالم جون ويك بشكل عام.
إضافة إلى هذا، أن الفيلم ليس بتلك الشهرة ليمثّل روسيا. فروسيا تملك أدباء أشهر بكثير. بل حتى الفيلم نفسه ليس أشهر أفلام مخرجه تاركوفسكي.
⸻
أندريه روبليف والثالوث
لماذا إذن أندريه روبليف؟ روبليف فنان يعيش في عصر العنف والدمار، ويبحث عن شمعة أمل، وعن طريق الفن يهرب من واقعه المؤلم.
قليل الكلام، كثير التأمل، والألم والاضطهاد يُولّدان فنه.
إيف تهرب من الواقع العنيف إلى الفن، وترقص بحيرة البجع لتشعر بانفصالها عن عالمها العنيف.
قليلة الكلام، لا تعبّر إلا بالرقص. الألم يخلق رقصة قوية، لدرجة التي تؤذي فيها نفسها، وكأنها لا تتحمل هذه الروح المرهفة.
جميعهم يبحثون عن الإنسانية ويحاولون الحفاظ عليها عبر الفن. يعتبرون الفن مهربًا. وجميع الفيلمين يتّسمان بإيقاع ثقيل وهادئ، وكأن تواجد اسم العظيم “تاركوفسكي” يقول إن هذا أكثر من مجرد فيلم أكشن.
⸻
رمزية الثالوث
TRINITY أو الثالوث، هي الرسمة الشهيرة لأندريه روبليف. والدلالة أنها وُضعت جنب اسم الفيلم من العدم، مع أنها في الأصل ليست جزءًا من اسم الفيلم، هو ما يجعلنا نتحول من الفيلم إلى اللوحة، لنجد رمزية تحت رمزية، ونكتشف رمزيات بعضها فوق بعض.
الثالوث هو أشهر عمل لأندريه روبليف، وأحد أشهر الأعمال الروسية. يعرض ثلاثة ملائكة جالسين على كأس، وهم الملائكة الذين ذبح لهم إبراهيم العجل وبشّروه بولده إسحاق. وهذه رمزية على الثالوث الإلهي.
روبليف استخدم الترميز للتحرر من قيود الكنيسة الأرثوذكسية التي تمنع تجسيد الإله مباشرة.
إذن الثلاثة هم: الأب هو الماضي والأصل، الابن هو الندبة، والروح القدس هو الأمل والتغير.
إيف تمثل ثالوثًا بشريًا. فهي الطفلة الطاهرة والبريئة، ثم تدنّست، ثم رقصت كأمل ومحاولة لإعادة الانسجام.
كثير من الأفلام تعتمد على الماضي بشكل رئيسي، مثل جون ويك. لكن الاختلاف في باليرينا أن الماضي حاضر بكيانه ومؤثّر. كل الأطياف الثلاثة للثالوث حاضرة بالتساوي في الفيلم، وهي الركيزة، دون دوافع أخرى.
في اللوحة، الثالوث متحد. وفي الفيلم، ممزق.
هنا يجب أن نعترف بالتعقيد الإنساني، بالرمادية. الضحية، القاتلة، المنقذة… يجب أن يحتويهن تقبّل الذات.
⸻
إيف: الخطيئة والنفي
تلك القاتلة تملك غريزة الأمومة والإنقاذ. وتلك المطرودة من جنة الطفولة والبراءة هي إيف/حواء المطرودة من جنة عدن بسبب الخطيئة.
وهي تلك التائبة عن خطاياها.
⸻
في الختام
باليرينا ليس مجرد فيلم أكشن يدور في عالم مألوف، بل هو قصيدة مؤلمة عن طفولة مسلوبة، وعن براءة ترقص فوق ركام العنف، وعن فنّ يحاول أن يصرخ وسط عالم لا يسمع.
إيف، بجعة روسية سقطت في مستنقع الدم،
لكنها اختارت أن ترقص، لا أن تقتل فقط.
في كل رمزية روسية حولها—تشايكوفسكي، روبليف، الثالوث، حتى شبح البابا ياجا، الذي ذاك قد تصبحه
يبقى أمل صغير يلمع في وسط العتمة
آنا دي أرماس لا تقتل فقط، بل تمزّق نفسها في كل رقصة، وتُحيي فينا سؤالاً قديمًا: هل يمكن للجمال أن يكون خلاصًا؟
ربما… لكن ليس دون ألم.
-باسل التميمي




تعليقات
إرسال تعليق