أصنام وقلوب: سيمفونية الحب والحرية
أصنام وقلوب: سيمفونية الحب والحرية
بداية الحب (التحرر الأول)
فيلمنا رومانسي كلاسيكي يناقش أحد أهم قضايا الحب عبر تاريخه، الطبقية من أهم الحواجز التي منعت المحبين عن بعضهم على مر العصور.
يبدأ الفيلم بفتاة مرفهة (ألي) وفتى سعيد (نواه) في إحدى مهرجانات بلدٍ ريفي سعيد، قبل أن تخلق التراجيديا بشكل دقيق لتسقط بالقصة قبل أن تعود بها.
يجب أن نسلط الضوء على البداية ومراحل نشوء الحب حيث نفهم أن ألي عالقة في عالم صارم تحكمه أصنام لا تُكسر قبل وقوعها في حب فتى يعلمها الحريّة ويحررها من القيود لتعيش بما تريده لا بما هو مفروضٌ عليها.
نفهم من عالمها تأثير العائلة على الفرد؛ فوالديها يرسخان فيها التقيد والواجب على خلاف والد نواه الذي يمنحه الحريّة كحال عام ليعيشها في أبسط تصرفاته. فهو مثلاً يختار الاستلقاء تحت إشارة المرور أو أكل الفطور في وقت العشاء، وهذا ما يزيد إعجاب ألي وإنجذابها له.
وحين تصل المشاعر لذروتها ويختلي الحبيبان في بيت مهجور عند قمة الشعور، يبدأ السقوط، فالأبوين يشعران أن ابنتهما تنخرط بنزوة أكبر من أن توصف بأنها «حب صيفي عابر».
ذروة الصراع والسقوط
يدخل فِن على الحبيبان ويخبرهما أن الشرطة تبحث عن ألي التي تأخرت عن العودة للمنزل وكسرت النظام المتزمت.
تهرع برفقة نواه إلى منزلها وتختلي بوالديها المستائين، حيث تزداد حدة الصراع بين جذورها ورغبتها، فتسمع من والديها أشد العتاب، ويشتد النقاش حتى تقول الأم «هذا الفتى قمامة».
ولم يتوقف الأمر على التقليل من حبيبها، بل اشتد إلى أن وصل إلى التشكيك بمشاعرها. أُتهمت بأنها طفلة لا تعرف الحب، فما كان منها إلا أن ردت بحقيقة نظرتها للعالم الذي خرجت منه: «أنتما لا تضحكان لا تداعبان بعضكما لا تنظران لبعضكما مثلما نفعل، أنتما لا تعرفان الحب».
وهل هو إلا صراع طبيعي بين الحذر والهيام، بين أبوين يخافان على ابنتهما ويحاولان تأمين مستقبلها، وفتاة تعلم يقينًا أنها وجدت الحب الحقيقي؟ صراع بين طرفين لا يرى كل منهما زاوية الآخر، لكن الوالدين هما من حازا على الزاوية الأضيق، ولم يفهما أن المحب سيقبل بمن يحب حتى لو عاشا بلا ترف ومع بعض المشقة.
يكفيهما الحب الذي في قلوبهما والأرض الواسعة ليصنعا من هذه الدنيا جنة تملأهما وتملأها. هذا صراع لا يُلام عليه أحد؛ فالأبوَان بمرأتهما الضيقة قاسا الأمور على غير ما هي عليه، فما لبثا أن حاولا كسر هذه العلاقة عن طريق الانتقال.
مداعبة المأساة
المأساة هي أن نواه أخطأ حين تخلى عن محبوبته (وقد اعترف بخطئه في نسخته الكبيرة التي تروي القصة)، لقد شك في صدق مشاعرها ولعب دور الضحية حين قرر تركها مدعياً أن تضحيته لأجل مصلحتها، في الوقت الذي كان يجب فيه أن يحارب أبوَيها والعالم لكي ينتصرا بها.
أليس الحب إلا اختلاس محبوبك؟ حين تجد من تحبه وتختاره بصدق، فلا يجب أن تفرط فيه لأي سبب كان، فالحب والتناغم والائتلاف نعمة لا يحظى بها الجميع.
والأعتى على النفس أن هذا الهجر من قبل نواه لم يدم إلا ثوانٍ بدافع قوة وكثافة شعورية هائلة وإهانة، وهو ما قد يدمر حياةً كاملة.
وما يزيد المأساة عتمةً هو فين الذي تجاهل الرسالة التي أودعتها ألي ولم يوصلها لصديقه نواه على حد علم المشاهد (بسبب قناعة سينماباراديسويه ونيّة خيره)، وتلك الثلاثون وخمس وستون رسالة التي أرسلها نواه على مدار سنة والتي وقعت في يد أمها ثم إلى الغياهب، وكل تلك التداعيات التي ألزمَت سوء الفهم وفرّقت الحبيبين.
تمر السنون، تبكي ألي لأيام وشهور حتى تجف دموعها على حبيبها الذي تخلى عنها. وبعد مدة تصبح ممرضة للجنود الحرب، وترى وجه نواه في كل جندي تساعده، ثم هي نفسها تتناسى وتقبل المغازلات من أحد الجنود وتتخذه كخليل وتُخطب منه، فتقبل.
وأثناء استعدادات الزواج والبروفة تصدمها صورة نواه في أحد الجرائد كصاعقة فيغمى عليها، وهذه علامة الحزن المكبوت والحقيقة التي كسرت زيف الواقع.
حزن يحوّل المشهد التالي إلى مشهد استحمام في فستان العرس وهواجس وكأنها لم تعد تبالي ولا تنوي، ولا نعرف تفاصيل عمق حزنها إلا فيما بعد حين يخبرها نواه بأمر الرسائل لتكتشف أن أمها أخفت عنها الكثير: «لقد شاهدتِني أبكي».
الهوية في الحب
تقول أمها، وهذه تفصيله تثيرني جدًا: «لم أعد أرسم»، هنا قمة الافتقاد لتلك الحريّة التي بثها فيها نواه، نواه الذي صنع لها قسمًا خاصًا بالرسم كما تمنت.
الحب هو أن تشغف بشغف محبوبك وتسعد لسعادته، لا أن تنسى شغفه أو أن تبدي شغفك عليه.
لكن لنعد بضع خطوات للوراء: حين يلتقي الحبيبان بعد غياب طويل ويزاح التوتر تدريجيًا، يركبان القارب الصغير لتجولا بالنهر.
ينزل عليهما المطر ليكسر المظاهر المهندمة والقيود، وتعود تلك الضحكات على عهدها، وتتفجر المشاعر ويتحطم الكبت.
فتعاتب الحبيبة: «لماذا لم تراسلني طوال هذا الدهر؟» ويرد الحبيب: «أرسلت لكِ خلال عام كامل».
وبعد ليلة من الحب الصادق، تطارد ألي من قبل عالمها فيعود ترددها.
هي الآن مخطوبة وتقول لنواه: «لقد تأخرت»، وتصرح بأن الموضوع معقد ما بين والديها وخطيبها وحبيبها.
فيرد بعلاج للمعضلة النفسية التي تجذرت فيها بسبب التربية: «اتركي ما أريد أنا وما يريد خطيبكِ وأمكِ وأبوكِ وافعل ما تريدين بكل بساطة، أَلا تعرفين ماذا تريدين؟»، وكانه يعيدها للحريّة التي بثها فيها منذ أول لقاء ليكسر هذا الحب حواجز الطبقية وحتى حواجز القيود الاجتماعية التي وُضعت أمامها.
وتتوج التراجيديا بنهاية سعيدة تدمر هذه المأساة وتصنع السعادة، لكنها تراجيديا مرعبة إذا فكرنا فيما كان سيحصل لو، وكيف أن الحب قد يموت بسبب تفاصيل صغيرة، وكيف قد نعيش حياة لا نريدها لأننا قيدنا أنفسنا بمعايير غيرنا، لأننا لم نؤمن بالحب ولم نملك الشجاعة اللازمة.
أليس الإيمان بالحب هو الذي دفع نواه لشراء المنزل وصنع غرفة الرسم؟ أليس هو الذي دفع ألي للعودة؟
ألم ينتبنا حتى نحن للشك حين قالت الأم لابنتها إنها حين كانت بعمرها أحبت عامل بناء متواضع وكانت سعيدة لأنها لم تتزوجه؟ ألم تشك حتى ألي بمشاعرها لوهلة؟ لكن لا الأم لك تختبر هذا أبدًا، كما يقول فريدريك نيتشه: «وأولئك الذين شوهدوا يرقصون، ظنّهم الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى مجانين.»
هكذا كانت ألي في نظر والديها، وفي نهاية الفيلم نرى سرب من الطيور ونتذكر قول ألي في بداية تحررها ومواعدتها لنواه: «أنا طائر وأنت طائر».
-باسل التميمي





تعليقات
إرسال تعليق